المقريزي
224
المقفى الكبير
جميع ما رامه من أطراف الدنيا آثارا بقي ذكرها دهرا طويلا . [ حسن تدبيره لمداخيل الدولة ] وأراد أن يعرف قدر ارتفاع الدولة وما عليها من النفقات ليقايس بينهما . فتقدّم إلى أصحاب الدواوين بأن يعمل كلّ منهم ارتفاع ما يجري في ديوانه ، وما عليه من النفقات . فعمل ذلك ، وتسلّمه متولّي ديوان المجلس وهو زمام الدّواوين ، فنظّم عليه عملا جامعا واختصره أيّام [ دولته ] فجاء ارتفاع الدولة ألفي ألف دينار ، منها : الشام : ألف ألف دينار ، ونفقاته بإزاء ارتفاعه . ومنها : الريف وباقي الدولة : ألف ألف دينار ، يقف منها عن مغلول وينكسر عن موتى وهراب ومفقود أبواب : مائتا ألف دينار . وتبقى ثمانمائة ألف دينار ، ينصرف منها للرجال عن واجباتهم وكساويهم ثلاثمائة ألف دينار . وعن ثمن الغلّة للقصور : مائة ألف دينار . وعن نفقات القصور : مائتا ألف دينار ، وعن عمائر ، وما يقام للضيوف الواصلين ، من الملوك وغيرهم ، مائة ألف دينار . ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة يحملها كلّ سنة إلى بيت المال المصون . فحظي بذلك عند الخليفة ، وتمكّن منه ، وارتفع قدره عنده . وكانت الدولة طول نظره في عرس ، لتوالي الفتوحات في أيّامه وعمارة الأعمال بحسن تدبيره واستخدام الكفاة فيها بجودة اختياره . [ بوادر النكبة ] وكان المستنصر يحضر عنده في كلّ يوم ثلاثاء من كلّ جمعة ويبيت عنده في لذّة ومسرّة ، فيحضر إليه من التحف والطرف والغرائب ما لا يكاد يقدر عليه غيره . فاستمرّ على ذلك ثماني سنين ، فكثر الحاسد له على ما يتأتّى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار . واستطال حسّاده مدّته فابتغوا له الغوائل ونصبوا له الحبائل ، وركّبوا عليه المناصب حتى كان هلاكه بأقلّ الناس قدرا وأحقرهم ، وأدناهم منزلة وأضعفهم قدرة ، وهم من أطراف الخدّام ، ليبيّن اللّه آياته للناس ليعلموا أنّ اللّه على كلّ شيء قدير : وذلك أنّ اثنين من أطراف المستخدمين ، أحدهما خادم يعرف بفرج المغراويّ « 1 » كان في حاشيته ، والآخر خازن في بيت المال يتولّى خزانة الفرش يعرف بتنا ، تمحّلوا له الأباطيل ونمّقوا الأحاديث وزخرفوا القول وحكوا أنّه نقل الأموال إلى الشام في التوابيت وفي شمع سبكه ، وأنفذه إلى القدس وإلى الخليل ، وأنّه قد عوّل على الهرب إلى بغداد . فصدّق ذلك وقبض عليه بغير ذنب إلّا الملل والحسد الذي جرت عادة الملوك به . وإنّ مللهم بغير علّة وحسدهم على تظافر من ينعمون عليه بما يصير في يديه ليتجمّل به ، فيكون [ 366 أ ] ذلك سبب حسدهم ومللهم . [ ضيافة ابن اليازوريّ للخليفة المستنصر . . . ] واتّفق أنّ المستنصر التمس من صفيّ الملك ولد الوزير عمل دعوة يدعوه إليها ، فدافعه عن ذلك ، استعظاما عنده . فأقام مدّة حتّى بعثه والده الوزير الناصر للدين على تكلّف عملها . فاهتمّ لذلك وصنع ما يليق إعداده . وتقرّر الحال على يوم ، فلمّا تهيّأ ذلك ، حضر صفيّ الملك إلى أبيه وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه ، فصار معه إلى الدار بخواصّه فرأى ما تقصر عنه كلّ صفة : من ذلك أنّه فرش مجلسين بديباج بياض كلّه وفيه جامات كبار حمر بنقوش كأجل من الأعدال « 2 » ، وفي كلّ مجلس ثلاث مراتب وبساط ملء المجلس ،
--> ( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 238 : فرج المغربيّ . ( 2 ) في الاتّعاظ 2 / 238 : كلّ مجلس كما حمل من الأعدال ، ولا يتّضح المعنى .